Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web


 

قراءات من "مذاق الصبر"     *

للدكتور: سليم صابر  

ليس من السهل قراءة وتحليل ما ورد في الـ"مذاق"، وهو موضوع شائك فعلاً، حيث أنّ ما جاء فيه يعطي الإعاقة موقعًا مميزًا لم يكن معروفًا من قبل، ويعطي المعوّقين حقّهم في ما يسعون إليه من تفهّم ومطالبة بالاندماج الكامل في مجتمعهم، ألا وهو مجتمعنا الشرقي المتماثل في أغلب جوانبه. ويهمني التحديد هنا بأنّ الكاتب قد أعطى فكرة واضحة عما هي مقوّمات الإعاقة ومعاناة المعوّق في أوطاننا، ولم أقم أنا سوى انتشال بعض الخفايا من فكره والتركيز عليها متسائلاً ومجيبًا في نفس الوقت عنها. وتبقى المسيرة التي خطّها محمد عيد أوفي وأفضل عمل قرأته عن المعوّقين ومعاناتهم من حيث التعبير عن الذات، ويعطينا فكرة واضحة عن حياة المعوّق ومعاناته وطموحاته وأمانيه.

للحقيقة، إنّ ما قمتُ به هو مجرّد قراءة خواطر أتت، بتلقائيّتها، تحاور الذهن وتدهشني في ما احتواه الكتاب من مضمون واقعي بليغ، مبيّنةً لي مدى تأثّر الناس، والمثقّفين منهم على وجه التحديد، بما يختصّ بظروف الإعاقة والاهتمام بها، بعد أن كانت حكرًا على ذوي الاختصاصات وحسب. وهذا يبيّن مدى الإلمام ويظهر مدى امكانيّة تغيير الواقع، والعقليّة السائدة، بمجرّد إنارة جوانب المشكلة التي يرزح تحت وطأتها الكثيرين من المعوّقين في هذا الشرق. من هذا المنطلق قمت بقراءاتي.

تصوّرته أمامي، ههنا، وهم يحملونه، بكرسيه الدرّاج، فوق أدراجٍ ما بعدها أدراج! وتصوّرته وهو يهذي، من غثيان النفس ونفورها، ويقول لهم: "ألا دعوني وشأني، فما أنا بقطعة أثريّة تتهافتون، باقتداركم، للحفاظ عليها وكأنّها لا تُثمّن!"

وأتساءل بدوري: ألا يمكن رؤية الأمور في هذا الوطن إلاّ من منظار البيرقراطي البليد الذي يأبى رفع الرأس والتحليق بأجنحة المخيّلة نحو أفق الذاكرة، تبصّرًا، ليأخذ منها العِبر ويبني إنسانه الراقي كما يجب؟

ألا يمكن لمجتمعٍ أن ينهض ويصحّح أخطاء الماضي ويزيل شوائبه بجدارة وجدّيةٍ فعّالتين تجعلان من البيئة التي يستخدمها ويعيش فيها جنّة للإنسان مهما كانت إصابته بليغة؟

ألا يمكن رؤية دمعة على خدّ طفل بريء إلاّ من منظار الكبار ولا نمسحها بصلف؟ ما دمنا كذلك، فلن يعرف التعاطف والحنان منفذًا إلى قلوبهم الطريّة، ولن يعرف مجتمعنا، لأجيالهم، سوى القسوة!

ألا يمكن لنا أن نتصرّف بوعي علمي وببرغماتيّة تغيّر من مسيرتنا الفوضويّة في مضمار العلم والثقافة والرقي الحضاري الذي تتوق إليه كلّ الشعوب؟  

لقد تعوّد هذا الشرق إعطاء أحكامه عن سابق تصوّر، معتبرًا أنّ رأي القوي هو ألأصحّ، لا التعقّل أو التبصّر أو الرويّة. وطالما أننا لا نهتم لرأي الأضعف ولا لأفكاره، ولا نأخذ بدمعة أطفالنا على محمل الجدّ، فسيبقى هذا الشرق ينمو قساوةً!

أيا ليت نفسي كم ستهزأ!

جاءني ردّ الكاتب (على شاشة الإنترنت) بعد أن ختمت قراءاتي في "مذاق الصبر" كالتالي: " فوجئت، اقتضابًا، أنا الذي اتّبعت أسلوب الاسهاب، ما جاء في سرد الحادث بحدّ ذاته... وكأنني أراه يهرب من قدرٍ، حتميّته واقعٌ مريرٌ لا مفرّ له منه..." بهذه الجملة المعاتبة ـ ربما ـ استهلّ الـ"صابر" قراءته لـ"مذاق الصبر".

وبهذه: "أعتقد أنك أخي محمد كسبت رهانك مذ عدت إلى الحياة، وتلقائيًا عادت ثقتك بالنفس أكبر!" انهى قراءته!

وأكمل: "الفاضل الدكتور صابر، وددت لو لم تنهي قراءاتك، لكنني أثمّن قولك: "وإنما ما زاد في المعنى نقص". وهي إجابتي على عتابك، فهي لخّصت ما كنت سأقوله في جمل طويلة بكلمتين أُصابتا الغاية."

وتابع: "كلماتك يا سيدي أسالت دمعتي وأنا الذي جاهدت، لسنوات طوال، ان لا تسيل. ليس لقساوةٍ في القلب وإنّما تداركًا، كي لا أفتح للدمع طريقا عبر العينين." هكذا جاءني ردّه الأخير على قراءاتي التي أودعتها منتدى "عيون عمان".

يظهر أنّ الدمعة المخبّأة في مقلة محمد عيد الحسّاسة قد أبت إلاّ أن تُظهر عن مدى القهر اليومي الذي يعاني منه، هو كشخص، مع ذاته قبل كلّ شيء وليس مع الآخرين.

إنّه الوجدان الكامن فينا أخي محمد... إنّه ذاك الإحساس بالعجز الذي نرفضه على الدوام، ومن خلاله تُرفض الدمعة، لا كمتنفّسٍ لشجوننا، وإنما لكي نرفع هامتنا عاليًا إلى فوق... إلى فوق قدر الإمكان! وإن لم نتمكّن عبر الجسد، فنحن نحلّق بها فكرًا نابضًا بالحيويّة والحياة.

إنّها الجرأة في تقبّل الدمعة ساعة يستلزم الأمر منّا ذلك. ونحن العرب، لا نقبل بدمعتنا مهما حدث ومهما اهتزّت من حولنا الدنيا... رجوليتنا تقضي بإيقافها على منافذ الذات المصدومة، وما أقسى هذه الرجوليّة الجاهلة، المتجاهلة غزارة الدمع المختزن فيضًا من محبّةٍ في المآقي.

الدمعة، أخي محمد، آه منها ما أقساها! قسوتها علينا تجعلنا نقسى على أنفسنا، فنكبتها حتى في الرحيل كي لا يراها أحد! إن كانت الدمعة التي سالت يا محمد تغسل شقاء أولائك الجاهلين، نحن، وتعيد القوّة إلى قلب كلّ مستضعف، فنعم الدمعة!

نعم الدمعة إن مكّنتنا من التعبير عن الذات، وهو قد عبّر عنها بأفضل وأجمل وأقصر الطرق إلى القلوب، وربّما أقساها، تعطينا قوّةً وزخمًا لا مثيل لهما، وهذا ما جاء في الكتاب وما أسمّيه في ذاكرة قراءاتي فكرة الآه المسافرة مع الدمعة!

 

فوجئت، اقتضابًا، أنا الذي اتّبعت أسلوب الاسهاب، ما جاء في سرد الحادث بحدّ ذاته.

وإن كانت القصّة مبنيّة في الأساس على هذا الحادث بالذات، فهو لم يأخذ من الكاتب سوى بضعة أسطر...

وكأني به لا يريد العودة إلى تلك اللحظات المؤلمة، وكأنني أراه يهرب من قدرٍ، حتميّته واقعٌ مريرٌ لا مفرّ له منه، معاكس، غدّار، ولا يريد العودة إليه أو مواجهته.

ولكن إن تمعّنا في عمق المسألة، نراها مختلفةً كليًا عن ما تظهره في بساطتها ظاهريًا. الاقتضاب في سرد الحادث جاء ليبرهن أنّ المفاوض الأوّل والأخير (الذات) قد تعدّى المحنة وتخطّاها ولم تعد تشكّل بالنسبة إليه سوى ذكرى أليمة وحسب قلبت مجرى حياته من الأساس. إنّه تشديد محض على مصالحة الذات بإرادة فولاذيّة لا تقبل الجدل، وهو في نفس الوقت سببٌ أساسي ومهمّ في مجرى صياغة هذا الكتاب.

هذا الكتاب أعتبره قصّةً قبل كلّ شيء، وليس سيرةً ذاتيّة، إذ من المستحيل التكلّم عن الأحداث، مهما كانت قريبة أو بعيدة عن النفس، بدون أخذ موقف منها! وهنا أعطانا الكاتب مثلاً، أفضل من أيّ مثال، عن كيفيّة كتابة وقراءة الأحداث بتجرّد شبه كامل. وكأنّي به يروي سيرة شخص عايشه واختلط به ليتعرّف عليه أكثر فأكثر مع الأيّام. وكأنّه يقصّ حكايةً سمعها وتغلغل في أحداثها وتطرّق إلى أبعادها وسبر غور أعماقها حتى النهاية.

أوَليست الكتابة عن الذات هو محاولةً جادةً لمعرفة خفاياها! أوَليست اليد المبدعة، التي ترسم خفايا عالم إنسانها، هي التي تخبرنا بنفسها عن شخصٍ عايشته وجبلته، فعجنته وخبزته في كلّ إحاسيسه؟

إستوقفني الحادث، وأنا الطبيب، لا لما خلّفه من دمارٍ على العمود الفقري، وإنّما في ديناميكيّته، البسيطة ظاهريًا، طارحةً علينا مسألة الاختيار الأفضل في ظلّ أسوأ الظروف!

يقول الكاتب محمد عيد بما معناه: "كان عليّ اتّخاذ قراري خلال ثوانٍ قليلة. وكان أمامي ثلاث حلول لا رابع لهم. الأوّل التطرّف نحو اليمين واحتمال تحطّم السيّارة على جانب الطريق. ثانيهما اتّخاذ الوجهة المعاكسة وإنّما ضوء سيّارة قادمة من الاتّجاه المعاكس أبهرني، ووقفت بوجهي ولكنت اصطدمت بها. والاحتمال الثالث هو إكمال طريقي وصدم الجمال."

لقد عبّر الكاتب، وبإيجاز مسهب، عن تلك الثواني وما يجول في خاطره أثناءها، ولو جمعنا الوقت اللازم لقراءة ما كتبه لنا بإيجاز، حتمًا لكان الاصطدام وقع منذ وقت لا يستهان به قبل إنهاء القراءة! إشادةً، هذه، في أنّ الذهن والبصر والبصيرة أسرع في تحاليلها من أيّ نصٍّ يكتب على الورق أو قصّ الحادثة على الزوار!

وأعود إلى ديناميكيّة الحادث بالذات لأسأل نفسي لماذا حصل كلّ ذلك؟ لقد اختار محمد الحلّ الأسلم، بالنسبة إليه، وها هو يجد نفسه مقعدًا بلا حراك، أفيصبح الاحتمال الذي اختاره هو الأسوء؟ والسؤال الثاني المطروح هو: هل اختار فعلاً محمد الاحتمال الذي أراده، أم أنّه فكّر به ولسرعة الحادث لم يجد نفسه سوى في قلب الحدث؟ يقول: "حاولت دوس الفرامل وإنما السيارة انزلقت من دون توقّف!" أويكون داس على الفرامل فعلاً، أم أنّه كان المتفرّج الأوحد على ما يحصل له؟ والسؤال الآخر وليس الأخير هل كان محمد يضع حزام الأمان؟ وإن كان يضعه هل كان لذاك الحزام تأثير سلبي أم إيجابي على مجرى الحادث ورواسبه؟

أسئلةٌ كثيرة طرحتها على نفسي وأنا أقرأ محاولاً إيجاد أجوبةٍ لها في الذهن، ليس إلاّ من باب الفضول العلمي والشخصي البحت. من الطبيعي أنّ أيّ شخصٍ إن وجد في نفس وضع محمد لكان تصرّف بنفس الطريقة أو أسوأ.

أريد هنا توضيح شيء ما راودني، وهو كيفيّة حصول الحادث، ولماذا وقع الجملان على سطح السيّارة وليس على جنبها أو أمامها مثلاً؟ وفي اعتقادي، وحسب تحليلي، أنّ المسألة مسألة ديناميكيّة بحتة.

لنعود بالذكرى إلى الظفولة البريئة. حينما كنا نرى اثنين من الرفاق منهمكين في الحديث، فنأتي من الوراء لنضرب أحدهما على رجله، ما وراء مفصل الركبة. ماذا يحدث، أتتذكرون؟ إنّ الشخص المقصود تسكع ساقه ويهوي إلى الخلف من المفاجأة! وهذا ما حدث للجمال أيضًا!

إنّ السيّارة المسرعة التني تسير بسرعة المائة كيلمتر في الساعة تعلو عن الأرض لمتر ونصف تقريبًا وهي تأتي لتضرب ساق الجمل من الخلف، فتضعها السرعة تحته، وبما أنّ الساق أعلى من السيارة يهوي الجمل إلى الخلف ويقع على سقفها. تصوّروا مثلاً ثلاثمئة كيلغرام من الوزن، أو أكثر، يهبط عليكم، فهو يطحنكم بالتحديد!

إنها ديناميكيّة الحادث ولكن يجب أن ننتبه لشيء مهمّ، وهو أنّ الحلّ الذي اتّخذه محمد هو ربما الأنسب، فنحن لن نعلم ماذا كان سيحلّ به لو أتّخذ أيًّا من الحلّين الآخرين. وفي النهاية أقول بأنّ الإنسان في لحظات كهذه يبقى في صراع مستميت ما بين الموت والحياة، ودون أن يعي، وفي ما ورائيّاته، هو يدافع عن حياته بشراسة ما بعدها شراسة، وهذه بطولة محمد، وكلّ إنسان في موقعه. بطولة كامنة في ثوانٍ معدودات، يسابق فيها ذهنه، بتحاليله وحلوله السريعة، الحدث!

والعلم والقدر أيتوافقان؟ ليس المقصود بالعلم، فيما أردت إيضاحه، تواجد الجملين في تلك الثانية، في نفس المكان الذي تقطع فيه سيارة أخرى الجنب المعاكس وفي نفس الوقت الذي قرّر فيه كاتبنا قيادة سيارته إلى المطار، وهي كلّها عوامل تضافرت لتشكّل قدره. إنّما المقصود بالتحليل العلمي هو إمكانيّة اتّخاذ القرار من قبل السائق في تلك الثانية بالذات، أكان مناسبًا أم لا، وهل تمكن فعلاً من اتّخاذ قراره أم سبقه الحدث. كما أن التحليل العلمي يتناول الطريقة، بحدّ ذاتها، التي جرت فيها الحادثة.

من المؤكّد أن ما أشرتُ إليه من موجبات القدر السيّئة لا مجال للتحليل العلمي فيها.

أوَنغيّر قدرنا؟ سؤال مطروح على بساط البحث منذ وجود الخليقة، والجواب عند سبحانه
__

مقتطف من قراءات مطولة للدكتور سليم صابر والتي ستنشر قريبا في مجلة أدبية

 

 

 

             [المحتويات|مذاق الصبر|نقد|قصص|شعر|خواطر |السيرة الذاتية|مقالات| للمراسلة|دفتر الزوار]