|
من
بين أزيز الرياح وضحكات وتأوهات
الصادرة ليلا من بيت مشبوه، وضجيج
المحركات وصخب الباعة وزبائن المحلات
التجارية نهارا لا يخبو صوتا ياتي من
خيمة نصبت في زاوية من مهجورة من
الشارع: "الله حي.. الله دائم، الله
حي.. الله دائم".
معلم
برهان: زاهد متعبد ولا يكف عن ذكر
الرحمن. ولي من اولاياء الله عند
البعض ودرويش يظن آخرون انه يحتال على
الناس، وان كان لا يطلب مالا مقابل
خدماته الا ما يقدم له من هدايا
وأطعمة.
يستقبل
زائريه وهو يجلس متربعا وامامه موقد
نار لا يتصاعد منه بخور وانما يدفيء
بها يديه سواء كان الوقت شتاء ام صيفا.
لا يبادل زبائنه الحديث، ولكن يسمعهم
فقط!
زبائنه
كثر! يأتيه ناس للاستشفاء من امراض
تتراوح بين الحمى، التي يعالجها
بغسول وضوئه او بقراءة آيات قرآنية في
الماء، ومن دخلتهم الشياطين.
يأتيه
آخرون لاغراض شتى: تحسين حال، طلاب
رزق أو نجاح، نساء عاقرات، وزوجة اولى
تطلب تعوذيه لاستعادة زوجها من زوجته
الجديدة. حتى مندوبي فرق القدم يأتون
للحصول على تعاويذ تصد ركلات الفرق
الخصم عن الدخول بين قائمتي المرمى
وعارضته!
وفي
مرات كثيرة يُشاهد وجهاء طوبان
يطلبون تعاويذ تساعدهم على الوصول
الى قلب فخامة راعي طوبان من اقصر
الطرق للحصول على منصب، جاه، او مال.
لا
احد يعرف بالضبط متى وكيف وصل معلم
برهان الى الحارة ومتى اقام تلك
الغرفة، لكن اذا سالت أي واحد من سكان
الحارة فانك ستحصل على نفس الجواب:
"لا
اتذكر الحارة بدون وجود معلم برهان".
وكل ما يتذكروه عنه لا يختلف عن ما هو
عليه اليوم!
ومن
عادتهم دائما: الجلوس بعد العصر في
المقهى للثرثرة. يأتون على ذكر التجار
او المسئولين، وقد يتبرع احدهم دون ان
يسأل انه سمع ان التاجر الفلاني ينوي
فتح مركز تجاري في الشارع، او ان مجلس
المدينة ينوي ازالة المباني القديمة
وتعويض سكانها.
فتزداد
حرارة الحديث ويستوضح من له ارضا او
بيتا او محلا تجاريا:
ـ
احلف!
ولا
يتردد صاحب البحر في حلف اليمن انه
سمع هذا الخبر من رجل مرموق "كلمته
لا تطيح الارض" تأكيدا على صدق
الخبر.
وكسواهم
من السوقيين لا يتورع بعض الحرفيين
والسكان عن اختلاق اكاذيب وتلفيق
اتهامات واغتياب الناس لا لشيء سوى
قتل الوقت وبث شائعات للفت الانتباه.
فيتطرف
بعضهم في وصف الغموض الذي يحيط معلم
برهان، ولماذا لم يتزوج كسائر خلق
الله!
ويردون
على اسئلة من يأتي للاستفسار عن حقيقة
الوصفة المقوية لفحولة الرجال:
ـ
انها عشبة برية اكتشفها برهان بنفسه
ولها مفعول قوي يحافظ على الشباب
وتزيد فحولة الرجل قوة.
وآخر
يؤكد كلام من سبقوه ويقول:
ـ
ثريا له اربع زوجات ثلاث منهن في عمر
ابنته الصغرى دفع مبلغا كبيرا مقابل
ان يخبره برهان عن اكتشافه العجيب وسر
استعادة الحوية حتى لمن تقدمت بهم
السن!
وواحد
يظن به الظنون. ويحلف بطلاق زوجته:
ـ
شاهدت برهان يدخل البيت المشبوه في
طرف الشارع بعد منتصف الليل، وكان
يخفي وجهه لكني استطاعت التعرف عليه
من طريقة مشيته.
وآخر
لا يجد حرجا في اتهامه بالشذوذ:
ـ
رأيت بأم عيني هذه، التي سيأكلها
الدود، احد اللوطيين يدخل خيمته في عز
النهار.
ولكنه
لا يستطيع الجزم اذا كان الزائر دخل
الخيمة طلبا للعلاج ام انه جاء بدعوة
من صاحبها.
ويضيف
وهو يضحك ملء شدقيه:
ـ
عشبة برهان ليست سوى لحم القرش المجفف
الذي يحرص على تناوله كلما سنحت له
الفرصة.
هذه
هي سمة الاغلبية وسنتهم في حارة طوبان.
لا يتوقفون عن قذف وتجريح والاساءة
لكل خير ونزيه.. لكل من يتقي الله في
خلقه.
ومعلم
برهان يسمع كل ذلك ولا يرد: يسمع
اشاعات واكاذيب تقال ضده ولا يرد..
يسمع اقاويل وافتراءات ولا يرد.. ورعه
يهيب به ان لا يرد.. واخلاقه تمنعه ان
لا يرد!
لكنه
لا يكف عن ذكر الله وبصوت اعلى وافصح:
ـ
الله حي.. الله دائم، الله حي.. الله
دائم.
|